الواحدي النيسابوري

217

الوسيط في تفسير القرآن المجيد

ثم أكّد عليه استقبال القبلة - أينما كان - بآيتين ؛ وهما « 1 » : 149 ، 150 - قوله : وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ وإنّما كرّرت الآيتان ، لأنّ هذا من مواضع التّأكيد ؛ لأجل النّسخ الّذى نقلوا به من جهة إلى جهة . ومعنى ( وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ ) أي : للمسافرة والبروز إلى البدو « 2 » فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ : فاستقبل الكعبة أينما كنت . وما بعد هذا مضى تفسيره « 3 » إلى قوله : لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ قال أكثر المفسرين : « الناس » - هاهنا - : اليهود كانوا يحتجّون على رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - وعلى المؤمنين في صلاتهم إلى بيت المقدس ، ويقولون : ما درى محمد وأصحابه أين قبلتهم حتّى هديناهم نحن ، ويقولون : يخالفنا محمد في ديننا ويتّبع « 4 » قبلتنا . وهذا كان حجّتهم « 5 » الّتى كانوا يحتجّون بها على المؤمنين على وجه الخصومة والتّمويه بها على الجهّال ؛ فلمّا صرفت القبلة إلى الكعبة بطلت هذه الحجّة « 6 » ، ثم قال : ( إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ ) وهم المشركون ؛ فإنّهم قالوا : قد تحيّر محمد في دينه ، فتوجّه إلى قبلتنا ، وعلم أنّا « 7 » أهدى سبيلا منه ، ويوشك أن يرجع إلى ديننا ، فهؤلاء تبقى لهم الخصومة .

--> ( 1 ) حاشية ج : « الأولى : قوله تعالى ( وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ . . . ) ؛ والآية الثانية ، قوله : ( فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ . . ) . ( 2 ) أ : « والبروز للبدو » . ( 3 ) وهو قوله تعالى : ( وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ . وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ ) . ( 4 ) ب : « فيتبع » . ( 5 ) حاشية ج : « المراد بالحجة : الاعتراض والمجادلة ، لا الحجة الحقيقية . والمجادلة تسمى حجة ، كقولهم : ( حجتهم داحضة عند ربهم ) أي : باطلة من الدحوض » . ( 6 ) حاشية ج : « الحجة قولهم : لو كان النبي صادقا في النبوة والدعوة لما توجه إلى قبلتنا ، ويكون له قبلة مستقلة » . ( 7 ) ب : « أننا أهدى » .